سبتمبر 2004  
 
الإستراتيجية باعتبارها فـََرََضيّة
بقلم السيد منوّر حمدي، مدير تنفيذي

"إنّ القدرة على تنفيذ إستراتيجية مــا أهمّ من الإستراتيجية في حدّ ذاتها."

لعلّ البعض قد يرى أنّ هذه المقولة لا تأتي بجديد وليست اكتشافا غير مسبوق. وهذا صحيح، ذلك أنّ المقولة َ آنفةَ الذِكْرِ خلاصــةُ بحث قد شمل مئاتِ المسؤولين وصنّاع القرار. فالإستراتيجية يجب أن يقع تنفيذها على كافة مستويات المنظمة ويجب أن تندرج في صميم نظام الإدارة.

ويمكن القول، في ظلّ اقتصاد المعرفة الراهن، إنّ القيمة المستديمة تتحقق عن طريق تنمية الأصول اللامادية، ومنها مهارات الموظفين ومعارفهم، وتكنولوجيا المعلومات التي تدعـــم الموظفين وتحقق التواصل بين الزبائن والمزوّدين، والمناخ المؤسسي الحافز على الابتكار وحلّ المشاكل والتطوير. ذلك أنّ كلاّ من هذه الأصول اللامادية يساهم في إنتاج القيمة.

وتوجد عديد العوامل التي تجعل المؤشرات المالية، كما هي مستعملة في الأنظمة التقليدية للمراقبة الإدارية في العصر الصناعي، قاصرة عن قياس مثل هذه الأصول وربطها بإنتاج القيمة. وتتـمثـّل العوامل المذكورة في :

  1. أنّ القيمة غير مباشرة
  2. أنّ القيمة رهينة السياق
  3. أنّ القيمة تراكميّة
  4. أنّ الأصول مترابطة.

والقيمة لا تكمن في أحد الأصول اللامادية بعينه ، بل هي نتاج عملية توليد لجملة من الأصول مصحوبة باستراتيجية تحقـّق الترابط بينها.

ويوفـّّر مخطط الأداء الاستشرافي ( balanced scorecard) ) إطارا جديدا لوصف استراتيجية معيّنة من خلال تحقيق الترابط بين الأصول المادّيّة واللامادّيّة للأنشطة المولّدة للقيمة. وهي تصف بالتحديد كيف يمكن تعبئة الأصول اللامادية والمادية وتحقيق الترابط بينها وبين أصول أخرى، من مادّيّة ولامادّيّة، للحصول على عروض مولّدة للقيمة لفائدة الزبون.

ويستند مفهوم الخارطة الاستراتيجية ( strategic map ) إلى بِنْيَة منطقية تُعرّف الاستراتيجية من خلال تحديد العلاقات القائمة بين المساهمين، والزبائن، وأنساق العمل والمهارات. أمّا الخارطةُ الاستراتيجية لمخطّط الأداء فتوضّح فرضياتِ الاستراتيجية، في حين تُعَدّ الخارطة الاستراتيجية لمخطّط الأداء الاستشرافي بِنْية شاملة لوصف الاستراتيجية. وتساعد الخارطات الاستراتيجية على تبيّن الاستراتيجية بشكل متماسك ومتكامل ومنظم.

وينضوي كلّ مؤشّر من مؤشرات مخطّط الأداء ضمن سلسلة علاقات سبب - نتيجة تربط بين النتائج المرجوّة من الاستراتيجية والعناصر المولّدة لتلك النتائج.

وتصف الخارطة الاستراتيجية العملية التي تُحيل الأصول اللامادّيّة إلى نتائج مادّيّة سواء في المستوى المالي أو في مستوى الزبون. كما أنّ الخارطات الاستراتيجية توفـّر قاعدة يقوم عليها نظام الإدارة الذي يسمح بتنفيذ الاستراتيجية على نحو ناجع وسريع.

إنّ مخطّط الأداء الاستشرافي يمكّن من تجاوز حدود أنظمة القياس المالي الحصرية من خلال استخدام واضح لعمليات توليد القيمة والأدوار الحاسمة التي تؤديها الأصول اللامادّيّة. ويصف مخطّط الأداء الاستشرافي مختلف الصِّلات غير المباشرة اللازمة لإقامة العلاقة بين التحسينات الحاصلة في مستوى الأصول اللامادّيّة لمؤسسة معيّنة، وهي العناصر المحرّكة الحاسمة للاستراتيجيات القائمة على المعرفة، من ناحية، وبين الزبون باعتباره كائنا حقيقيا والنتائج المالية للإستراتيجية، من ناحية أخرى. ويصف العرضُ المُقدّم للزبون الإطارَ الذي يتـّضح من خلاله أنّ الأصول اللامادّيّة مولّدة للقيمة. كما توفّر محاورُ الإستراتيجية "الوصفةَ" التي يُمَكّن اعتمادُها من تحقيق الترابط بين "المكوّنات" اللامادّيّة المتمثّلة في المهارات والتكنولوجيا ومناخ العمل وبين أنساق العمل الداخلية لتحقيق نتائج محسوسة، مثل وفاء الزبون والزيادة في رقم المعاملات وفي الربحيّة.

الاستراتيجية باعتبارها مرحلة ضمن سلسلة متّصلة

ليست الإستراتيجية جزءا منعزلا في عملية الإدارة، بل هي مُنصهرة ضمن سلسلة متّصلة الحلقات بدءا بمهمّة المؤسسة، كما يتبيّن من الرسم البياني الموالي (الرسم البياني: ترجمة المهمّة إلى نتائج مرجوّة):

الإستراتيجية باعتبارها فَرَضيّة

تستمدّ الإستراتيجية جوهرها من الطريقة التي نتخيّر للقيام بأنشطتنا على نحو مغاير لما يعتمده منافسونا، بما يمكّننا من تقديم عرض قيمة فريد.

ويصف "بورتر" ( Porter ) أسس الإستراتيجية باعتبارها تلك الأنشطة التي تتخيّر المؤسسة أن تتميّز فيها. وفي هذا الصدد يقول: "إنّ كافّة الاختلافات بين الشركات في ما يتعلّق بالتكلفة أو بالأسعار تعود في نهاية المطاف إلى مئات الأنشطة اللازمة لإنتاج منتجاتها وخدماتها وبيعها وتسليمها . . . ويتأتّى الاختلاف في ذات الوقت من الأنشطة ومن الطريقة التي يقع توخّيها للقيام بها."

وتستند عملية تصميم مخطط الأداء إلى فرضية قوامها أنّ الإستراتيجية هي جملة من الفرضيات. كذلك، فإنّ الفرضيات الإستراتيجية تقتضي تعريفا للأنشطة المفضية (المؤشرات الاستشرافية ) إلى النتائج المرجوّة (مؤشرات المتابعة).

وحسب الوصفة التي يقع اعتمادها لتنفيذ الإستراتيجية فإنّه ينبغي أن يفهم كلّ فرد في المؤسسة بشكل واضح الفرضياتِ التي تقوم عليها الإستراتيجية، وأن يجعل موارده في انسجام مع تلك الفرضيات، وأن يلائمها بحسب الحاجيات في وقت حقيقي.

ويعرّف مخطّط الأداء جملة الأهداف والأنشطة بعيدة المدى، ونعني بذلك العناصر المحرّكة الحاسمة ،

التي تصنع الفارق بين المؤسسة ومنافساتها، والتي تخلق القيمة لفائدة كلّ من الزبون والمساهم في المدى البعيد، أي النتائج .

والعملية تنازلية بالأساس، فهي تبدأ بتعريف وجهة نظر المساهم ووجهة نظر الزبون، أي ما هي الأهداف الماليّة للنموّ والإنتاجية؟ وما هي موارد النموّ الأساسية؟

أمّا الأسئلة التي ينبغي طرحها إثر تعريف الأهداف الماليّة فهي: "من هم الزبائن الذين سيحققون زيادة في رقم المعاملات وتركيبة أكثر ربحية للمنتجات المُباعة والخدمات المُقدّمة؟ ما هي الأهداف، وكيف يمكن قياس مدى رضى الزبائن؟" ويتعيّن أن يشمل المحور المتعلّق بالزبون عرض القيمة الذي يصف مدى اختلاف المؤسسة عن نظيراتها من حيث استجلاب الزبائن المستهدفين، ودعم ولائهم أو وفائهم، وتمتين علاقاتها بهم.

وتّمثّل الأهداف المالية والأهداف المتـّصلة بالزبائن النتائج المرجوّة ، لكنّها لا توضّح كيفيّة بلوغ هذه النتائج. ذلك أنّ أنساق العمل الداخليّة هي التي تعرّف الأنشطة اللازمة لتوليد عرض القيمة المرغوب والاختلاف النوعي لفائدة الزبون، وكذا النتيجة المالية المرجوّة.

ويُعدّ "عرض القيمة" لفائدة الزبون في صميم أي استراتيجية مُعتَمَدَة من قِبل أيّة مؤسسة، فهو حجر الزاوية الذي يستند إليه ربط أنساق العمل الداخلية بالنتائج المُثلى لفائدة الزبون. ويصف عرض القيمة التركيبةَ الفريدةَ للمنتوج والسعر والخدمة والعلاقة القائمة بين المؤسسة وزبائنها وصورة المؤسسة، وهو ما تسعى هذه الأخيرة لتوفيره لزبائنها. كما يُعرّف عرضُ القيمة قطاعاتِ السوق المستهدفة بالإستراتيجية والطريقة التي ستختلف بها المؤسسة عن منافساتها بخصوص أقسام السوق المستهدفة. ويُبرز عرضُ القيمة المُعرّف على نحو جيّد الهدف النهائي الذي يمثّل محور تركيز المفاهيم الإستراتيجية لأنساق العمل الداخلية (من ذلك تفرّد المنتوج، والصبغة الحميمية للعلاقة بالزبون، والتميّز العملي). وتّعدّ هذه إحدى المراحل الأساسية لعملية وضع مخطط الأداء.

أمّا المحور الرابع، أي محور التعلّم والتطوير ، فيستند إلى الإقرار بأنّ القدرة على تنفيذ منظومات العمل الداخلية بأشكال جديدة وعلى نحو مختلف مقارنة بمنافسي المؤسسة تبقى رهينة البِنْية التحتية للمؤسسة: ونعني بذلك مهارات الموظفين وقدراتهم ومعارفهم، وتكنولوجيا المعلومات التي يستخدمون، ومناخ العمل الذي يعيشون.

لكن يجب ألاّ ننظر إلى وجود محور التعلّم والتطوير في أسفل سلّم الرسم البياني لمخطط الأداء الاستشرافي كما لو كان استنقاصا من أهمّية هذا العنصر. بل على العكس تماما، فإنّ هذا المحور يمثّل القاعدة التي تقوم عليها بقيّة المحاور الأخرى.

وكلّما وقع تصميم الخارطة الإستراتيجية بشكل مُحكَم تهيّأ لها أن توفـّر وصفا مستفيضا للإستراتيجية وللتسلسل المنطقي الذي سيقع اعتماده لتنفيذها. كما أنّ من شأن ذلك أن يُيسّر التثبّت من مدى ملاءمة مؤشرات المؤسسة في ما يتعلّق بمخطط الأداء الاستشرافي الذي تقوم عليه استراتيجيتها.

وحسَبَ المؤسسات التي وُفـّقت في اعتماد مخطط الأداء الاستشرافي، فإنّه يوجد مفهومان حاسمان، هما التماسك و التوافق . ومن أجل تحقيق المفهوميْن المذكوريْن، اتّبعت هذه "المؤسسات ذات التوجّه الإستراتيجي" أنموذجا متكرّرا، رغم اختلافه من مؤسسة إلى أخرى. ويتضمّن هذا الأنموذج خمسة مبادئ (هي مبادئ المؤسسة ذات التوجّه الإستراتيجي):

  • ترجمة الإستراتيجية إلى مصطلحات عمليّة (كما أسلفنا)
  • جعل المؤسسة متلائمة مع الإستراتيجية، أي في تناسق معها
  • جعل الإستراتيجية محور اهتمام يومي بالنسبة إلى كلّ فرد
  • جعل الإستراتيجية عمليّة متواصلة
  • تحقيق التغيير بالاعتماد على ريادة المسؤولين.

ويقتضي إنجاز برنامج مخطّط الأداء الاستشرافي على نحو ناجح الإقرار بأنّ المخطط المذكور ليس نظام "قياس"، بل هو بالأحرى مشروع تغيير.

 
اطبع
 
Designed by Mediatix
اغلق - رجوع