سبتمبر 2004  
 

إنّ تطوّر أيّة مؤسّسة هو انتقال من الطاقات الكامنة إلى تفعيلها
بقلم منذر خنفير

لقد كان الانهيار المُدوّي الذي هزّ بعض كبريات الشركات العالمية علامة على بداية العصر ما بعد الصناعي. كما أنّ ما حفّ بهذا الانهيار من مآس اجتماعية واقتصادية، بل وبيئية، قد كان له بالغ الأثر على الوعي الاجتماعي. فإذا بالطريقة التي تؤدّي بها الشركة أنشطتها تغدو أكثر من أيّ وقت مضى مسألة تشغل المجتمع برمّته. وهذا ينطبق بشكل أكثر وضوحا على الشركات العمومية أو المُدرجة في البورصة والتي أضحت مطالـََبة بالإبلاغ على نحو مفصّل عن كافّة المسائل ذات الصّلة بقدرة أنموذجها الاقتصادي على التواصل أو النواحي ذات العلاقة بتوجّهاتها الاستراتيجية، وتقديرها للمخاطرة، وأنظمة المراقبة التي تضع.

ومع ذلك، فإنّ مجمل الخطاب السائد حول الشركة وأدائها، وخاصّة ذاك الذي يُرَوّج خلال الجلسات العامّة، يبقى خطابا أحاديّ الرّؤية وعلى هامش التطوّر التاريخي. وبالفعل، فإنّ مخططات الأداء المالي المنضوية ضمن الأنظمة التقليدية للمراقبة الإدارية (الموافقة للعصر الصناعي) لا تكفل قياس الأصول المادّيّة واللامادّيّة للشركة وربطها بإنتاج القيمة.

وهكذا، فإنّ تطبيق قواعد مهما قيل عنها إنّها من صميم الإدارة السليمة في ظلّ رؤية عتيقة للشركة قد لا تكون تمشّيّا غير عمليّ وغير ناجع فحسب بل وباهظ التكلفة بالنسبة إلى الشركة أيضا. لكن دعنا نضرب مثالا على ذلك: تلاحظ إحدى الشركات أنّ محفظة الطلبيّات على بضائعها أو خدماتها قد انخفضت نتيجة بروز منافس جديد لها في السوق. فينحو رئيس الشركة إلى القيام بتخفيض حادّ في التكاليف أو الأعباء المالية، وعلى وجه التحديد أعباء اليد العاملة، قصد ضمان التوازن المالي للاستغلال. وهو بإجرائه ذاك إنّما يقوم في الواقع بالعمل على الحدّ من الآثار قريبة المدى للمشكلة، لكنّه لا يُعالج البتّة أسبابها، ونعني بذلك خسارة أقساط من السوق نظرا لغياب عاملـَيْ الاستباق والابتكار. وفي عديد الحالات فإنّ مثل هذا القرار يزجّ بالشركة في منحدر الأفول، ذلك أنّ تسريح الموظفين لا يعني أنّ الشركة قد تخلّت عن الصراع فحسب بل وحرمت نفسها أيضا من أصول لا مادّيّة من الصعب جدّا إعادة بنائها ...

كيف يمكن لمدير شركة إذن أن يُقنع بمصداقية خطابه حول أداء شركته ووضعها السليم وطاقاتها الكامنة، إزاء الطلبات المتعدّدة الصادرة عن المساهمين والزبائن والمزوّدين والبنوك . . . وغيرهم؟

إنّ الإجابة على هذا السؤال تقتضي مثال شركة جديدا ولغة جديدة للتعبير عنه.

نحو مثال شركة جديد

اعتبارا إلى أنّ شروط الأداء قد تغيّرت وإلى أنّ أنموذجا ( paradigme ) جديدا قائما على القيادة قد حلّ محلّ الأنموذج القديم المستند إلى المراقبة، يمكن أن نقترح تعريفا للشركة من منظور مفهومها الجديد بصفتها نظاما مركّبا لتحويل التدفّقات.

فهي، من ناحية، تُعدّ نظاما بالنظر إلى أنّ مُكوّناتها مترابطة وتعمل باعتبارها كلاّ لا يتجزّأ وتتفاعل مع بيئة الشركة ككلّ، وهي، من ناحية أخرى، مركّبة بالنظر إلى أنّ معطيات مُخرَجاتها ليست مُرتهنة بشكل خطيّ بمُدخَلاتها. ولذا فإنّ مُكوّنات الشركة تكفـُل تحويل تدفّق المُدخَلات (من مادّيّة ومعلوماتية ونقديّة) إلى تدفّق مُخرَجات عبر عمليّات مُعرّفة بشكل دقيق تجسّد سلسلة القيَم.

وتتمثـّل مزيّة هذا الأنموذج في أنّه يسمح بتعريف الخصائص النوعية للشركة، والتي هي مختصّة بأيّ نظام معيّن، أي غرضها (أو رسالتها)، وقدراتها الكامنة على الإنجاز (أو قدرتها على تنفيذ الأهداف المرسومة لها)، وسرعة تفاعلها (أو دورتها الزمنية)، ومدى تركيبها (أو مُكوّناتها)، وضابطة تغيّرها (أو فاقد الموارد)، . . . إلخ.

وتُعدّ جملة هذه الخصائص ذات تأثير على وضع الشركة ونموّها وحجمها وهيكلها و"الفلسفة" المُعتـَمَدة في إدارتها.

ولعلّه يجدر بنا أن نذكّر هنا بأنّ الشكل الذي يقع به إنتاج تدفّق المُخرَجات فريد بالنسبة إلى أيّة شركة. وكلّما تطوّرت الشركة بمرور الزمن من خلال تحقيق فوائد إضافية أو إنتاج المزيد من البضائع أو الخدمات (أو كِليْها)، تزايدت "حركة التدفـّّقات"، وبالتالي كثافة مساراتها الرئيسية والفرعية. وإذن، فإنّ هذه الكثافة هي العنصر المحدّد لـ شروط التوازن الثابت والمتحرّك للشركة باعتبارها نظاما.

ومن ناحية أخرى، فكلّما تطوّرت الشركة، ازدادت حاجتها إلى أنظمة فرعية مركّبة لضمان قيادة مُحكمة تكفل تفاعلا جيّدا فيما بين الأنظمة الفرعية باعتماد طرق قيادة وتعديل متواصل للفروقات المسجّلة في وقت يكاد يكون حقيقيا.

وكما هو الشأن بالنسبة إلى البيئة التي تتنزّل فيها، فإنّ الشركة في تحوّل مستمرّ. فهي مدعوّة في ذات الوقت إلى التأقلم مع الظواهر الطارئة وإلى التطوّر نحو حالة جديدة من التوازن تكون ملائمة أكثر لنموّها.

وانطلاقا من الفرَضية القائلة بأنّ كلّ مؤسسة تتطوّر من حالة توازن "أ" إلى حالة توازن "ب"، علما وأنّها تهدف أصلا إلى بلوغ حالة توازن "ج"، فإنّ تقييم أداء مثل هذا التمشّي يقتضي قياسا مزدوجا للفروقات. ونعني بذلك الفرق بين ما وقع إنجازه مقارنة بما تمّ تخطيطه، من ناحية، وبين ما تمّ تخطيطه مقارنة بما هو مُتاح، من ناحية أخرى. مع العلم أنّ ما هو مُخطّط يبقى في الغالب ذاتيا نظرا إلى أنّه ينبثق عن رغبة للوصول إلى "غاية" تُوافِقُ رؤية بعض صانعي القرار في المؤسسة.

وكلّما كانت الأهداف الموكولة إلى المؤسسة تتجاوز طاقتها الكامنة، استحال مبدئيّا تحقيقها لتلك الأهداف. وإذن، فإنّ القضيّة برمّتها تكمن في وضع فرَضيّات جيّدة (ومنها الإستراتيجية) وتهيئة الظروف اللازمة لتحقيقها. وفي هذا يكمن الدّور الجديد المُعقّد الموكول إلى رؤساء الشركات الذين هم الآن مطالبون ليس بتطوير الطاقات الكامنة للشركة فحسب وإنّما أيضا بالسعي إلى تفعيلها.
 
اطبع
 
Designed by Mediatix
اغلق - رجوع