حول نظريّة التنظيم المؤسّسي
بقلم غازي كرفاعي
لعلّ أفضل وصف لتنظيم مؤسّسة، كما دأبنا على تصوّرها اليوم، يكون
بمثابة التذكير بتعريفها على أنّها منظومة اجتماعية. ونحن نتحدّث عن
منظومة حقّا لأنّ العناصر المكوّنة لها مترابطة ببعضها البعض. وإنّه
من نافل القول إنّ وجود منظّمة يقتضي وجود أفراد. ولفظة "فرد" إنّما
هي تحيل إلى مشاعر كلّ موظّف في ظرف عمل معيّن وقيمه ومهاراته، وهذه
مشاعر وقيم ومهارات مصدرها تجربة الموظف الذاتية ورؤيته لبيئته. ومع
ذلك، فالمسألة ليست مسألة أشخاص بقدر ماهي مسألة سلوكات الأشخاص وأعمالهم
أو تأثيرهم، وهي التي يجب أن ينظر إليها باعتبارها العناصر الأساسية
للمنظمات. والتنظيم، سواء كان بسيطا أم مركّبا، إنّما يبقى نظاما غير
مشخّص يتولّى تنسيق الجهود والسلوكات البشريّة. ويجب أن يكون هناك
هدف يقوم مقام المبدإ الموحّد والمؤدّي لدورالمنسّق.
وتتضمّن المنظّمة عدّة مكوّنات. وهذه المكوّنات تتضمّن بدورها بعدين،
بعدا فنّيّا وبعدا انسانيّا. كما تخضع مكوّنات المنظّمة إلى منطقين
أو شكلين من التفاعل، منطق شكليّ ومنطق غير شكليّ.
فالمنطق الشّكليّ إنّما هو نتاج قواعد المؤسسة وسياساتها واجراءاتها
العادية ومعارفها المدوّنة. ويقترن نمط التفاعل هذا بلغة شكليّة وآليّة.
وتنظيم المؤسسة الاجتماعي لا يعرّف إلاّ جزئيّا من الناحية الشّكليّة،
إذ أنّ مثل هذا التنظيم يجسّد أنماط العلاقات ضمن مجموعات الموظفين
وكذلك في ما بين مجموعات المستويات التراتبية (hiérarchiques)
المميّزة أو الوظائف المختلفة. ويبرز لنا التحليل المتمعّن لأفعال
ومواقف الأشخاص في مجتمعنا، بما في ذلك من اتّجاهات، ولغات، وأفكار،
وأحاسيس، إلخ، أنّ معظم هذه الأفعال والمواقف تتحدّد أو توجّه باعتبار
أنماط التنظيم الشكلي.
أمّا المنطق غير الشكلي فهو نتاج التفاعل الاجتماعي بين مختلف أفراد
فريق العمل أو منظومة انتاج أكثر اتّساعا. وهو منطق نجده في الغالب
منسيّا أو متجاهلا أو منتقدا. ومع ذلك، فمن دون هذا المنطق، لا يمكن
لأيّ منطق شكليّ أن يعمّر طويلا. والمنظمة تنشأ عندما يوجد أشخاص قادرون
على التواصل في ما بينهم وعازمون على المساهمة في أعمال تهدف إلى تحقيق
غاية مشتركة. ولذا فإنّ العنصرين الأساسيين لقيام تنظيم معيّن إنّما
هما التواصل وإرادة تحقيق هدف مشترك. ويجسّد المنطق غير الشكليّ العلاقة
الخاصّة والآليّة التي تتولّد عن تعاون بين شخصين أو أكثر قصد تحقيق
هدف مشترك على أقلّ تقدير.
وفي هذا السّياق، فإنّه يمكن القول إنّ التنظيم الشكليّ والتنظيم
غير الشكلي إنّما هما بعدان مرتهنان بالتفاعل الاجتماعي. إنّ كلّ مؤسّسة
مكان تلاق للأفكار والمعتقدات والقيم التي تصاغ في شكل رموز وطقوس
محدّدة بذلك إلى درجة كبيرة سلوكات الأشخاص. ومثل هذه الأفكار والقيم
والمعتقدات أو المعايير تخضع إلى أنماط منطقية مختلفة جدّا عن منطق
التكلفة أو النجاعة. وفي ضوء هذه "الأحاسيس" تتحدّد العلاقات الثنائية
بين المسؤولين والموظفين، بما يجسّد السّطح البيني (interface)
بين التنظيم الشكلي وغير الشكلي للمؤسّسة. و في هذا مادّة لمزيد النّظر
والتمحيص.
|